دهشة من دهشة هويدي!

بقلم سليمان جودة ٢٢/٣/٢٠٠٨
كتب الأستاذ فهمي هويدي، مندهشاً، من اجتماع الرئيس بالوزارة، أكثر من مرة، لبحث موضوع رغيف العيش، ومفترضاً أن موضوعاً من هذا النوع، لا يجوز أن يكون موضع انشغال الرئيس نفسه، بهذه الصورة، فهناك مسؤولون آخرون في ظن الأستاذ هويدي يفترض فيهم أنهم هم الذين يجب أن يتصدوا لهذا الملف!
والحقيقة أن أي متابع لحقيقة الأحوال في البلد، سوف لا يدهشه اجتماع الرئيس بقدر ما سوف يندهش للغاية، من دهشة هويدي نفسه! لا لشيء، إلا لأن الرئيس الذي يتمتع بسلطات مطلقة، من الطبيعي جداً أن تكون لديه مسؤوليات مطلقة أيضاً، وأن يكون مسؤولاً عن الرغيف، وغير الرغيف بلا استثناء!
لقد قيل للناس وقت تعديل ٣٤ مادة من الدستور في ديسمبر الماضي، إن هذا التعديل سوف يأخذ من سلطات الرئيس ويضيف إلي رئيس الوزراء، ثم تبين عند أول اختبار خصوصاً في حكاية الرغيف أن التعديل لم يغير شيئاً في واقع الحياة السياسية، وإذا كان قد غير شيئاً، فإن الناس لم يأخذوا علماً، بما جري لأن أحداً لم يكلف خاطره ويشرح لهم ما كان قبل التعديل مقارنة بما سوف يكون بعده!
فالمفروض أن الدولة تعيش الآن ثقافة جديدة تجعلها مختلفة قطعا، عن دولة الستينيات، عندما كانت مسؤولة وقتها عن توفير كل شيء للمواطن، من أول المسكن إلي المدفن نفسه.. ولكن المشكلة الحقيقية أن هذه الصفحة القديمة التي عشناها جميعا منذ قيام الثورة إلي آخر عصر عبدالناصر، لم نقلبها إلي هذه اللحظة حكاماً ومحكومين، وبالتالي فنحن جميعاً نعيش بأفكارنا في زمن.. ثم نعيش بأجسادنا في زمن آخر تماماً!
وما يجب أن نعلمه جيداً أن المشاكل الموجودة في البلد حالياً، موجودة في أي بلد في العالم، ولكن هناك فارقاً أساسياً، هو أن توزيع السلطات في أي بلد آخر، فيما عدانا يقابله بالضرورة توزيع مسؤوليات، بما يجعل من السهل التوصل إلي حل لأي مشكلة، وأن تجميع المسؤوليات كلها في يد الرئيس عندنا، يجعل من المستحيل حل أي مشكلة لا لشيء إلا لأن كاهل أي رئيس، في مصر أو في غيرها، لابد أن ينوء بمسؤوليات بهذا الحجم.. فلا مبارك ولا غير مبارك في أي دولة يستطيع أن يكون مسؤولاً عن العيش وعن الزيت وعن السكر وعن كل شيء!!
وحين يستدعي الرئيس جهاز الخدمة الوطنية، ثم الداخلية ويطلب منهما حل المشكلة فوراً فهذا شيء طبيعي جدا في واقع الأمر، ومتسق مع بعضه ولا شيء فيه يدعو إلي الدهشة علي الإطلاق.. فما يدعو إلي الدهشة حقاً، هو أن نصدق أن التعديل الدستوري قد أدي إلي تغيير من أي نوع من حيث توزيع المسؤوليات بين الرئيس وسائر الوزراء والمسؤولين!
عندما تكون مفاتيح البيت وجميع الغرف في يد رجل واحد، فمن الطبيعي جداً أن يكون مسؤولاً عن البيت، بكل أرجائه، وعندما يكون الصادر والوارد وكل صغيرة وكبيرة في يده، فلا نتوقع شيئا من أحد سواه.. ولذلك فالدهشة، ليست من اجتماع الرغيف، علي مائدة الرئيس بقدر ما هي من دهشة الأستاذ هويدي ذاته!!
والأهم من كل ذلك، أن يكون التعديل في العقلية التي تحكم قبل أن يكون في الدستور الذي ينظم، وعندها فقط سوف تكون مثل هذه الدهشة من كاتب كبير لها محل من الإعراب!