لا شيء يدفع النفس إلى الصراع على الدنيا وشهواتها أكثر من طول أملها ونسيانها الموت, ولا شيء يغفل عنه المنهمك في الدنيا المنكب على غرورها المحب لشهواتها مثل غفلته عن الموت, فلا يذكره, وإذا ذكر به كرهه ونفر منه, أولئك هم الذين قال الله فيهم: "قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ" [الجمعة:8].

ولذلك كان مما تعالج به النفس تذكر الموت الذي هو أثر القهر الإلهي, وقصر الأمل الذي هو أثر عن تذكر الموت.
وبقدر ما يقصر الأمل ويتذكر الإنسان الموت يكون قيامه بحقوق الله أكثر ويكون الإخلاص في عمله أتم, ولا يظنن ظان أن قصر الأمل يحول دون إعمار الدنيا, فالأمر ليس كذلك, بل عمارة الدنيا إنما هي مع قصر الأمل؛ لأن فيه القيام بحق الله تعالى وتطبيق أوامره, وذلك هو عمارتها.

إن قصر الأمل وتذكر الموت ينقلان الإنسان من قلب معلق بالدنيا إلى قلب متجاف عن الدنيا، مقبل إلى الآخرة, ومن هنا يأخذ ذكر الموت وقصر الأمل أهميتهما كوسيلة من وسائل تزكية النفس وطهارة القلب.
والحق أنه ينبغي على كل إنسان يريد أن يطهر قلبه الاهتمام بذكر الموت وقصر الأمل, وينبغي أن يكون ذكر الموت وقصر الأمل من أوائل المفاهيم التي يتربى عليها قلبه بعد توحيد الله والقيام بحقوق العبودية.

* * موت قريب:
إن الموت قريب من كل إنسان كقرب شريانه الدموي, ولكل نفس أجل وهو أجل محتوم وغير مرتبط بعمر ولا صحة ولا حال, فقد يموت الصغير كما يموت الكبير وقد يموت الصحيح كما يموت السقيم, قال سبحانه: "فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ" [الأعراف: 34], فالله سبحانه قضى الموت على كل نفس فقال سبحانه: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْت" [آل عمران: 185], وإنما الصالح التقي من بادر بالصالحات من الأعمال قبل أن يدركه الموت, فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك, وصحتك قبل سقمك, وغناك قبل فقرك, وفراغك قبل شغلك, وحياتك قبل موتك) صحيح الجامع

* وقال صلى الله عليه وسلم : (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ)أخرجه البخاري أي: أنه لا يغتنمهما, ثم يعرف قدرهما عند زوالهما.
وكان الحسن يقول في موعظته: المبادرة المبادرة, فإنما هي الأنفاس فلو حبست انقطعت عنكم أعمالكم التي تتقربون بها إلى الله عز وجل, رحم الله امرءًا نظر إلى نفسه وبكى على عدد ذنوبه, ثم قرأ هذه الآية: "إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدّاً" [مريم: 84]. يعني: الأنفاس, آخر العدد: خروج النفس, آخر العدد: فراق الأهل, آخر العدد: دخولك في قبرك.

* * احذر "سوف":
إن سبب تأخير الإنسان في المبادرة بالصالحات من الأعمال قبل الموت هو أنه يأتنس بالدنيا وشهوتها, فيملي له الشيطان, ويسوف له, ولا يزال
يسوف ويؤخر ويخرج من شغل إلى شغل ومن تسويف إلى تسويف, وهكذا باستمرار يوم يؤخر يومًا, وشغل يفضي إلى شغل إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحسبه, فتطول عند ذلك حسرته.

وأكثر أهل النار صياحهم من "سوف", يقولون: واحزناه من سوف. والمسوف المسكين لا يدري أن الذي يدعوه إلى التسويف اليوم هو معه غدًا, وإنما يزداد بطول المدة ارتباطه بالدنيا وغرقه فيها, ومن ظن أن للخائض في الدنيا فراغًا فقد وهم, قال الصالحون: "هيهات فما يفرغ منها إلا من طرحها بعيدًا عنه".

* * ضحك كالبكاء:
قال أبو الدرداء رضي الله عنه: أضحكني: مؤمل دنيا والموت يطلبه, وغافل وليس مغفولاً عنه, وضاحك بملء فيه ولا يدري أأرضى الله أم أسخطه.
إن ضحك أبي الدرداء رضي الله عنه, لهو ضحك التعجب والاستغراب, ضحك الألم والحسرة, على صورة تتكرر في كل ساعة في حياة الناس, صورة الغفلة التي تحجب الناس عن رؤية مصير رهيب يتخطفهم ويتخطف غيرهم ممن حولهم, فأحدهم يؤمل الدنيا واسمه مكتوب غدًا في الأموات, والآخر غافل وملك الموت يطلبه, والثالث ضاحك بملء فيه وليس يبالي هل يقبضه الله إليه راض عنه أم غضبان... إنه ألم أضحك أبا الدرداء ولكنه ضحك ولا شك كالبكاء.

* * تذكر الموت دأب الصالحين:
فهو سمتهم ودأبهم؛ كثرة ذكرة الموت, وهو طريق السلف الطاهرين.
قال الحسن رحمه الله تعالى: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي لُب فرحًا.
وقال الربيع بن خثيم: ما غائب ينتظره المؤمن خيرًا له من الموت, وكان يقول: لا تشعروا بي أحدًا وسلوني إلى ربي سلاً.
وكان الربيع قد حفر قبرًا في داره فكان ينام فيه كل يوم ليذكر الموت وكان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد.
وكان أبو هريرة رضي الله عنه إذا رأى أحدًا يحمل جنازة يقول لها: امض إلى ربك فإنا على إثرك ماضون.
وكان مكحول يقول إذا رأى جنازة: اغدوا فإنا رائحون. موعظة بليغة قليلة, وغفلة شنيعة, يذهب الأول, والآخر لا يعتبر.

وكان الأعمش يقول: كنا نشهد الجنائز ولا نعرف من يعزي؛ لأن الحزن قد عم الناس كلهم.
وكان ثابت يقول: كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متلفعًا باكيًا.
وكان أويس يقول: يا أهل الكوفة, توسدوا الموت إذا نمتم, واجعلوه نصب أعينكم إذا قمتم.
وكان الربيع يقول: أكثروا ذكر هذا الموت الذي لم تذوقوا قبله مثله.
وكان عون يقول: كم من مستقبل يومًا لا يستكمله, ومنتظر غدًا لا يبلغه, لو تنظرون إلى الأجل ومسيره, لأبغضتم الأمل وغروره.

وقال أبو عبد ربه لمكحول: يا أبا عبد الله أتحب الجنة؟ قال: ومن لا يحب الجنة, قال: فأحب الموت؛ فإنك لن ترى الجنة حتى تموت.
وقال رجاء بن حيوة: ما أكثر عبد ذكر الموت إلا ترك الحسد والفرح
وقال بشر بن الحارث: إذا ذكرت الموت ذهب عنك صفو الدنيا وشهواتها.
وكان محمد بن واسع إذا قيل له: كيف أصبحت؟ قال: ما ظنك برجل يرحل في كل يوم إلى الآخرة مرحلة؟!
وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت والوقوف بين يدي الله تعالى.